محمود ماضي

136

الوحي القرآني في المنظور الاستشراقي ونقده

اليهود والمسيحيين والملحدين في البلاد الغربية يجمعون على الزعم ، وذلك دون أدنى دليل بأن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم كتب أو استكتب القرآن محاكيا التوراة ، ويزعم البعض أن هناك أقوالا قرآنية في التاريخ الديني تفيد أقوال التوراة والإنجيل ، مثل هذا الموقف لا يقل استخفافا عن ذلك الذي يقود إلى القول بأن المسيح أيضا قد خدع معاصريه باستلهامه للعهد القديم في أثناء تبشيره . فكل إنجيل متى ، كما رأينا ، يعتمد على تلك الاستمرارية مع العهد القديم . أي مفسر هذا الذي تعن له فكرة أن ينزع صفته كرسول للّه لذلك السبب ؟ « ومع ذلك فهكذا في الغرب يحكم على محمد ( صلّى اللّه عليه وسلّم ) في غالب الأحيان : يزعمون أنه لم يفعل أكثر من أن نقل التوراة والإنجيل . وذلك حكم بلا محاكمة لا يضع مطلقا في اعتباره أن القرآن والتوراة والإنجيل قد تعطى عن نفس الحدث روايات مختلفة ، ولكنهم يفضلون السكوت على اختلاف الروايات ، ثم يعلنون أنها متماثلة وبالتالي يتماشون عن تدخل المعارف العلمية » « 1 » وأقف وقفة قصيرة عند قول « جويتين » - الذي أسلفناه - أن . محمدا أخذ قصصه القرآني من التوراة غير أنه جاء مشوها للحقائق عن الأنبياء ، وعلل ذلك بحقد محمد على إخوانه الأنبياء السابقين فغمط حقهم ، وحقرهم وقلل من شأنهم حتى يظهر هو بمظهر البطولة وأنه خاتم الأنبياء . وهذا الكلام لا يقوله إلا إنسان لم يطلع - مجرد اطلاع - لا على القرآن ولا على التوراة . الأنبياء في القرآن هم الصفوة الممتازة الذين اصطفاهم اللّه من بين البشر واختصهم بصفات الكمال الخلقية والخلقية وجعلهم السفراء الأمناء في حمل الدين وتبليغه إلى الناس . والمتتبع لآيات اللّه في القرآن الكريم التي تتحدث عن الأنبياء والمرسلين يجدها تصفهم باسمي الصفات والمواهب العقلية والخلقية والعلمية ، كل ذلك يدل على أنهم صفوة الخلق ، والمثل الكامل للإنسانية ولعظم مهامهم ، اقتضت حكمة اللّه تعالى أن يحفظهم بعنايته ويكلؤهم برعايته ، ويربيهم على عينه ، قال تعالى للكليم موسى وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي [ طه : 39 ] وقال للنبي الخاتم محمد بن عبد اللّه وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا [ الطور : 48 ] .

--> ( 1 ) - موريس بوكاى : دراسات الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة ص 149 . دار المعارف لبنان 1977 م .